هشام جعيط
265
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
والموجودين بأسفل الفرات كما بعيدا جدا إلى الغرب في قلب البادية فقد اتضح وضعهم إلى حد ما بفضل هذا النّص . ج ) جرت محاولة ثالثة لدخول الكوفة سنة 77 ه . كانت أكثر اتصافا بالمظهر الدارمي من المحاولات الأخرى ، لأنها كانت معركة حقيقية ومنظّمة خسرها شبيب . فقد ضخم أبو مخنف الأحداث أكثر مما فعل عمر بن شبة الذي ورد ذكره أيضا في تاريخ الطبري ، فلوّن المحاولة ووتّرها إلى أقصى حد . والثابت أنه لا شبيب ولا زوجته غزالة تمكنا من دخول الكوفة ، خلافا لأسطورة شاعت وتواترت « 1 » . ولنستعرض مجرى الأحداث : لقد سبق لشبيب أن هزم جيوش الحجاج « بأسفل الفرات » « 2 » ، ثم حاصر بعد أشهر المدائن وقد قيل إنها كانت أحد أهدافه الرئيسة « 3 » فضلا عن الكوفة . ثم هجم على الكوفة انطلاقا من المدائن ، فمر بالطريق المعهود التي تعبر الصراة وسورا وحمام أعين ، وبلغ الجسر فاصطدم بجيش لجب من الكوفيين ، لكن هذا الجيش لم يقدر على صدّه فتفرقت ريحه « 4 » . ولا فائدة من التعليق على السر الموجود في قوة الخوارج وضراوتها ، وعلى قلة الروح القتالية عند أهل الكوفة ، فليس ذلك موضعنا . يقول أبو مخنف إن الحجاج استنجد بأهل الشام الذين قدموا ودحروا شبيبا في الكوفة بالذات فأنقذوا الموقف . وروى عمر بن شبة أن أهل الشام لم يتدخلوا وأن قتيبة بن مسلم هو الذي تكفل بالدفاع عن الكوفة فتكللت جهوده بالنصر . اختلفت الروايتان وكانتا غنيتين بالمعلومات الطوبوغرافية . وأفاض أبو مخنف في القول ، واتسمت رواية ابن شبة بالإيجاز والكثافة ، وكانت مقتضبة شحيحة التفاصيل « 5 » ، وقد برزت في كلتيهما أهمية موقع الشمال الشرقي خارج المدينة ذاتها ، فكان مكانا مفضلا بصفته مسرحا للعمليات . وروى أبو مخنف أن شبيبا عبر الجسر وأقام قريبا منه نحو الكوفة ، أي قبل جسر المراكب . وقال إنه عسكر ثلاثة أيام دون ذكر اسم الموقع بالضبط ، لكنه قال إن شبيبا أمر في اليوم الأول ببناء مسجد بطرف السبخة من جهة المكان حيث يقيم ( أو سيقيم ؟ ) تجّار القّت ( وهو نبات للدواب ) ، حيث يوجد الإيوان . وأضاف أن المسجد « قائم حتى الساعة » « 6 » .
--> ( 1 ) واعتمدت خبرا ضعيفا : الطبري ، ج 6 ، ص 273 . ( 2 ) الطبري ، ج 6 ، ص 244 - 247 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 249 وما بعدها ، وص 258 - 259 . ( 4 ) كان على رأسه عتاب بن ورقاء : الطبري ، ج 6 ، ص 264 - 265 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 272 - 276 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 268 - 269 .